الشوكاني
454
فتح القدير
أي بواحد ، ولا يخفاك أنه ينافي هذا وصف الأشقى بالتكذيب ، فإن ذلك لا يكون إلا من الكافر فلا يتم ما أراده قائل هذا القول من شمول الوصفين لعصاة المسلمين . ثم ذكر سبحانه صفة الأتقى فقال ( الذي يؤتى ماله ) أي يعطيه ويصرفه في وجوه الخير ، وقوله ( يتزكى ) في محل نصب على الحال من فاعل يؤتى : أي حال كونه يطلب أن يكون عند الله زكيا لا يطلب رياء ولا سمعة ، ويجوز أن يكون بدلا من يؤتى داخلا معه في حكم الصلة . قرأ الجمهور " يتزكى " مضارع تزكى . وقرأ علي بن الحسين بن علي " تزكى " بإدغام التاء في الزاي ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى ) الجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها من كون التزكي على جهة الخلوص غير مشوب بشائبة تنافى الخلوص : أي ليس ممن يتصدق بماله ليجازى بصدقته نعمة لأحد من الناس عنده ويكافئه عليها ، وإنما يبتغي بصدقته وجه الله تعالى ، ومعنى الآية : أنه ليس لأحد من الناس عنده نعمة من شأنها أن يجازى عليها حتى يقصد بإيتاء ما يؤتى من ماله مجازاتها ، وإنما قال تجزى مضارعا مبنيا للمفعول لأجل الفواصل ، والأصل يجزيها إياه ، أو يجزيه إياها ( إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ) قرأ الجمهور " إلا ابتغاء " بالنصب على الاستثناء المنقطع لعدم اندراجه تحت جنس النعمة : أي لكن ابتغاء وجه ربه الأعلى ، ويجوز أن يكون منصوبا على أنه مفعول له على المعنى : أي لا يؤتى إلا لابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة . قال الفراء : هو منصوب على التأويل : أي ما أعطيتك ابتغاء جزائك بل ابتغاء وجه الله ، وقرأ يحيى بن وثاب بالرفع على البدل من محل نعمة ، لأن محلها الرفع إما على الفاعلية وإما على الابتداء ، ومن مزيدة ، والرفع لغة تميم ، لأنهم يجوزون البدل في المنقطع ويجرونه مجرى المتصل . قال مكي : وأجاز الفراء الرفع في " ابتغاء " على البدل من موضع نعمة ، وهو بعيد . قال شهاب الدين : كأنه لم يطلع عليها قراءة ، واستبعاده هو البعيد فإنها لغة فاشية ، وقرأ الجمهور أيضا " ابتغاء " بالمد ، وقرأ ابن أبي عبلة بالقصر والأعلى نعت للرب ( ولسوف يرضى ) اللام هي الموطئة للقسم : أي وتالله لسوف يرضى بما نعطيه من الكرامة والجزاء العظيم . قرأ الجمهور " يرضى " مبنيا للفاعل ، وقرئ مبنيا للمفعول . وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس ( والليل إذا يغشى ) قال : إذا أظلم . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن ابن مسعود قال : إن أبا بكر الصديق اشترى بلالا من أمية بن خلف وأبى بن خلف ببردة وعشر أواق فأعتقه لله ، فأنزل الله ( والليل إذا يغشى ) إلى قوله ( إن سعيكم لشتى ) سعى أبي بكر وأمية وأبى إلى قوله ( وكذب بالحسنى ) قال : لا إله إلا الله إلى قوله ( فسنيسره للعسرى ) قال : النار . وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله ( فأما من أعطى ) من الفضل ( واتقى ) قال : اتقى ربه ( وصدق بالحسنى ) قال : صدق بالخلف من الله ( فسنيسره لليسرى ) قال : للخير من الله ( وأما من بخل واستغنى ) قال : بخل بماله واستغنى عن ربه ( وكذب بالحسنى ) قال : بالخلف من الله ( فسنيسره للعسرى ) قال : للشر من الله . وأخرج ابن جرير عنه ( وصدق بالحسنى ) قال : أيقن بالخلف . وأخرج ابن جرير عنه أيضا ( وصدق بالحسنى ) يقول : صدق بلا إله إلا الله ( وأما من بخل واستغنى ) يقول : من أغناه الله فبخل بالزكاة . وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال : كان أبو بكر يعتق على الإسلام بمكة ، وكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن ، فقال له أبوه : أي بني أراك تعتق أناسا ضعفا ، فلو أنك تعتق رجالا جلدا يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك . قال : أي أبت إنما أريد ما عند الله ، قال : فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى ) . وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس في قوله ( فأما من أعطى واتقى